ثورات العرب.. خطاب التأسيس

ثورات العرب.. خطاب التأسيس
Author: علي مبروك
Genre: Uncategorized
Goodreads Rating: 4.18
Published: 2012 by دار العين

تاريخ جلب الحداثة أو قطف الثمرة، هذا أول استنتاج سيصل له القارئ عند قراءة ‏‏"ثورات العرب..خطاب التأسيس" للدكتور على مبروك.‏ ‏ كيف حاولنا جلب الحداثة لوادينا الطيب منذ اعتلاء محمد على ولاية مصر، وحتى ‏الآن!؟ ‏ هذا هو سؤال الكتاب.‏ بداية يطرح المؤلف مناقشة حول مشروع الحداثة التركية، ذلك الذى خاضه كمال ‏أتاتورك ضد الدين، معتبرا أن هذا الطرح خاطئ، مثلما كان الطرح الخاص بالدولة ‏الحديثة لمحمد على باشتراط الحداثة بما يتفق مع التراث كذلك، حيث استمرت هيمنة ‏خطاب القوة فى التجربتين، لهذا يقدم الأستاذ المساعد بقسم الفلسفة بجامعة القاهرة ‏للقارئ نصيحة مفداها أن السبيل الوحيد للتحرر فى بلاد العرب يكمن فى التخلى عن ‏خطاب القوة مقابل خطاب المعرفة..

هكذا تستقيم الحداثة. ولنتأمل سويا هذا التصور: ‏ الدولة ‏ كيف جلبت الحداثة المشروطة بتخليص رفاعة رافع الطهطاوى، وما الموانع التى منعت ‏النقل الكامل. مثلا ينقل أول ناقل للحداثة الأوروبية –الطهطاوى- فى تلخيصه لهذه ‏الحداثة فيما يخص توزيع وتقسيم السلطات "إن ملك فرنسا ليس مطلق التصرف، وإن ‏السياسة الفرنساوية هى قانون مقيد" (كما جاء فى الكتاب العُمدة:تخليص الأبريز فى ‏تلخيص بايز)، ولكن الطهطاوى ما يلبس أن يتناسى تماما عقد مقارنة بين ملك فى فرنسا ‏وباشا فى مصر، ليورد المقارنة بشكل يدمر تماما حس المقارنة حينما يتكلم عن الدولة ‏المصرية، فى الكتاب نفسه، حيث يكتب عنها وفقا لقاموس "السياسة الشرعية" حيث ‏يرى، فيما يخص الدولة المصرية الجديدة "إن للملوك فى ممالكهم حقوقا تسمى بالمزايا، ‏وعليهم واجبات فى حق الراعايا. فمن مزايا الملك أنه خليفة الله فى أرضه، وأن حسابه ‏على ربه، فليس عليه فى فعله مسئولية لأحد من رعاياه، وإنما يذكر للحكم والحكمة من ‏طرف أرباب الشرعيات أو السياسات برفق ولين، لإخطاره بما عسى أن يكون قد غفل ‏عنه، مع حسن الظن به"..هكذا ينتهى رفاعة إلى أن مصدر سلطة الباشا ليس الأمة، ‏وإنما الله، والذى يلح الطهطاوى طوال تخليصه أن الله سبحناه وتعالى هو الذى ولاه حكم ‏مصر، وذلك يتعارض مع الواقع التاريخى الذى يقطع بأن تولية الباشا كانت من جماهير ‏الشعب ونحبته التى استمسكت به فى مواجهة الإرادة السلطانية العلوية، كل هذا يكشف، ‏حسبما يرى الباحث ومؤلف الكتاب، عن أزمة مثقف يجد نفسه مضطرا لأن يكون بوقا ‏لسلطة القوة على حساب سلطة الحقيقة، لنتقدم بالزمن سريعاً، لنجد إنعكاسا لهذه الفكرة ‏فى وقتنا الراهن، حيث أعاد إنتاج أنصار "مبارك" هذه الفكرة، حيث رفع أحد المؤيدين ‏لافتة كتب عليها: من اختاره الله لا يسقطه الخونة والعملاء!‏ لكل هذا الكتاب يعد تأريخاً لفركة صراع بين قوتين، السلطة، والمعرفة، رغم ذلك لا ‏يعكس الكتاب صراعا بين القوة والقوة الناعمة، مثلا، بل يسجل تاريخا من سطوة الأولى ‏وقلة حيلة الثانية.‏ ‏ كان مشروع النهضة قائما على دعم القوة، بمعنى أن نجلب من الحداثة ما يجعلنا ‏أقوياء، أن تكون الدولة صلبة، دون أن ننقل تجارب الحداثة، رفاعة الطهطاوى كانت له ‏عبارة/ اعتراف أن مشروع النهضة كان يهدف لقطف الثمرة، وليس لتقليب التربة..‏ الثمرة هى ثمرة الحداثة، ليس هذا أوان الحديث عن رفاعة ومشروعه المعرفى، لكن ‏الإشارة تكشف للقارئ ملامح خطاب التأسيس العربى أى "ثورات العرب..خطاب ‏التأسيس"، حيث يرى الباحث أن ثورات العرب كانت مدخلا ليعود مبروك إلى نشأة ‏مشروع النهضة العربى، أى مشروع الدولة الحديثة، لهذا يتجول بين النشأة المعرفية ‏التى أرساها رفاعة الطهطاوى. ‏ يكشف الكتاب أن مشروع النهضة العربى كان قائما على استجلاب مظاهرة القوة فقط، ‏ومظاهر الحداثة أيضاً، بينما كان عماد الدولة التى أسسها محمد على الجيش، إلا أن بقية ‏المظاهر لم تهدف لتأسيس دولة قوية، بل أن تبدو دولة قوية فحسب.

‏ الجامعة تعطيل متعمد للنهضة بسبب السياسة، حينما كان الحضور للسياسى طاغيا على حساب ‏المعرفى، كان ذلك فى نهايات القرن التاسع عشر، مما أسس لأزمة شاملة، فكان الحل ‏المطروح هو الجامعة. ‏ خلال هذه الفترة لم تستطع جامعة الأزهر ان تلعب الدور الوسطى بين سيطرة السلطة/ ‏القوة/ الجيش، ورغبة المجتمع فى التشكل والتقدم بعد ذلك.

حيث انشغل المؤسسة ‏الأزهرية بالحداثة المشروطة باسم الحفاظ على التراث، حتى أن المؤلف يتوقف عند ‏تجربة تأسيس كلية دار العلوم، لتعيد إنتاج خلطة تناسب مجتمعنا بين الدين والعلم، لكنا ‏لم تحقق شيئا حسب استشهاد الكتاب برأى دكتور طه حسين.‏ مثلما كان الطهطاوى يحاكم الحداثة بالتراث، والسياسة الشرعية التى يدافع بها عن ‏سلطات الباشا كانت الدولة تنهض بالطريقة نفسها، لهذا كان التفكير بالجامعة، لتجمع بين ‏عالمين مختلفان، لتكون مؤسسة لإنتاج القوة الناعمة، ترث مؤسسة إنتاج القوة الصلبة ‏‏"الجيش"، ترددت فى هذا الوقت أفكار أن الجيش كان رمزا للدولة، تلك التى كانت بلا ‏معرفة حقيقية، لهذا تم طرح الجامعة بعد مائة عام من مشروع النهضة حينما لم تتحق ‏الحداثة كانت فكرة التأسيس، بدأ الأمر بالآداب، لتهيئة الشروط لوجود حركة معرفية ‏وعلمية، والتى لا يمكن الإدعاء بوجودها وقت النشأة.. هكذا استمرت لعبة الاستعارة، ‏استعارة أفكار، وبنى، ونظم تعليم، دون أن ننشغل بتحقيق نهضة معرفية حقيقية.‏ لكن ذلك لم يعنِ نهاية دور مؤسسة القوة الصلبة، بل استمرت الغلبة لها، وكان تغليب ‏السياسى، على المعرفى، أمرا مستمرا.‏ لنترك النشأة، وننتقل لتأسيس خطاب المعرفة، وبالتحديد النقد المعرفى حيث يتوقف ‏الباحث عند جدل ولدته الأفكار النقدية بين عابد الجابرى وجورج طرابيشى، يتوقف ‏‏"الفيلسوف" المغربى الراحل و"المفكر" واللبنانى عند مفهوم الأصالة بين الشرق ‏والغرب العربيين، بينما يشيد الجابرى بالمشروع النهضوى المغاربى، الذى صنعه ‏العقل المغاربى الذى يتسم بتفكير منطقى يبحث عن البرهان، كنتاج لتأثره بالمعرفة ‏الإغريقية، بينما يحصر الجابرى-أيضا- العقل الشرقىّ فى دور العقل الصوفى البيانى، ‏فى حين أن جورج طرابيشى يعيد أصول المعرفة اليونانية للحضارة الفينيقية، هكذا ‏يكشف لنا الباحث أن النقج المعرفى قد ارتد بالعرب إلى الماضى السحيق أى إلى التفاخر ‏بالقبائل، بما يستتبع ذلك بجدارة الأكثر أصالة، من أصحاب التصورين، بالإمساك ‏بمقاليد السلطة والقيادة!‏ هنا يمكننا القول أن وظيفة النقد لم تعد تحرير الأفهام، بقدر ما باتت تثبيت الأوهام..أوهام ‏الأصالة، وجدارة الصدارة والقيادة، وبالطبع لن يستطيع النقد إنتاج معرفة بالواقع، لهذا ‏يكتب د.مبروك:"أعنى من حيث لم يتجاوز الأمر حدود استبدال أصالة بأصالة ومركز ‏بآخر، وعلى نحو يكشف عن هيمنة منطق الإبدال والإحلال الذى هيمن على مجمل ما ‏ساد فضاء الخطاب العربى من الاختزال الأيديولوجى للواقع."‏ ‏ ‏ الكتاب ‏ ‏"ثورات العرب" يوظف حدث الثورات العربية ليناقش تاريخنا مع فكرة الدولة، ‏ومشروع النهضة كذلك، عبر عدة محطات يطرحها د.

على مبروك، مؤكدا أن السبيل ‏الوحيد للتحرر يكمن فى التخلى عن خطاب القوة، والسعى باسم الحداثة لصناعة شكل ‏الدولة القوية دون المضمون، المعبر عن ثقافة أهلها.. لهذا حاولنا خلال الأسطر الماضية ‏أن نستخلص بعض أفكار الكتاب، مؤكدين أن هذه الأفكار تستحق إعادة التفكير في فكرة ‏الدولة، وعلاقتها بالحداثة.‏